تقديم نفسه بصورة الإصلاحي المثقف المنقذ. وكلمة "المثقف" هنا، مفتاح الحديث.
أحبّ سلام وسط جنون القصـ.ـف الإسرائيلي الذي يتعرّض له لبنان، واستمرار تهجير أعداد كبيرة من المواطنين من منازلهم وقراهم المدمّرة، وغياب الأمان، أن يعيد إلى السراي الحكومي طابعه الثقافي، فدعا قرابة 400 شخصية لحضور مسرحية "هاملت: الأمير المجنون" لوليم شكسبير، مساء الجمعة 23 أيار 2025.
هل يتّعِظ سلام نفسه من رسائل المسرحية؟
المسرح رسالة. هذا ما يدركه أي مثقف، وبالتالي سلام، فهل يدرك حقيقة رسائل المسرحية؟
لننطلق من البداية الفاسدة، اغتيال الملك الشرعي -هاملت الأب- على يد شقيقه كلوديوس، طمعًا في العرش والسلطة. ثم يتجسّس على ابن شقيقه هاملت (الذي يتظـ.ـاهر بالجنون للانتقام لوالده) باستخدام صديقيه روزنكرانتز وجيلدنسترن. وعندما يشعر بخطر من هاملت، يرسله سرًا إلى الموت في إنكلترا.
ما هي النتيجة؟
في النهاية يتمزّق المجتمع ويسقط الأبرياء ضحايا، بولونيوس خادم الملك، يُقتـ.ـل بالخطأ لأن الجميع يعيش في جو من المراقبة والريبة، أما أوفيليا ابنة بولونيوس، فتصاب بالجنون وتموت غرقًا نتيجة الصدمة النفسية.
ماذا بعد؟ جميع الشخصيات الأساسية تموت في المعركة أو بالسم: الملك، الملكة، الأمير..
ثم يُسدَلُ الستار على مشهد وصول الأمير النرويجي "فورتنبراس" من خارج البلاد ليتسلم الحكم، وكأنه إنقاذ من الخارج، في إشارة رمزية إلى أن الدولة التي تُبنى على الخيانة والفساد ستسقط حتمًا ويتسلمها الغرباء.
عندما يصل الفساد إلى قمة الهرم السياسي، ويفقد الحُكم شرعيته الأخلاقية، تتفكك القيم وتعمّ الفوضى. لم يستخدم الملك منصبه لحماية الناس، بل لحماية نفسه وخداع من حوله. أظهَرَ صورة الحاكم الرحيم، فيما أقدم على قتـ.ـل أخيه ودبّر لقتـ.ـل ابن أخيه.
المجتمع في "هاملت" قائم على الأقنعة والمراوغة. كل شخصية تتصرف كأنها ممثل في مسرحية داخل المسرحية، تخفي نواياها خلف صورة مثالية أو واجب رسمي.
في بلاد تُعرض فيها "هاملت" على خشبة مسرح السراي، بينما تُكتب فصولها الحقيقية على بعد كيلومترات، بالقصـ.ـف والدمار، يصطف السياسيون والشخصيات بربطات العنق، يصفقون، ويبتسمون، يرفعون كأس الثقافة، لكن! هل تكتمل الصورة؟ لا يكفي أن يُشاهد هؤلاء العمل التراجيدي، عليهم أن يفهموا رسائله المبطنة جيدًا! هنا، لا يعود السؤال كما يطرح هاملت: "أكون أو لا أكون؟"، بل: "أي دور أقرّر أن أؤديه؟". فهل حسم أهل الحكم في لبنان أدوارهم في قضيّتنا الحساسة: أمن الوطن؟!
#بيروتريفيو